قبل فترة ليست بالبعيدة بمقياس التاريخ شاع مثل شعبي
وكثر تداوله, المثل يحمل في طياته دلالات
ومضامين عن مشهد لحالة ثقافية واجتماعية يحتم علينا عرضها على أصحاب الفكر والتغيير لقراءتها وتحليلها بأدوات واساليب نقدية (بموضوعيه), وهذا بلا شك نابع
من ثقافة مجتمعية ترى في جميع ما يقوله ويقرره صاحب المثل هو الأصح على الإطلاق ودون تحفظ وهذا لا بأس به ما لم يستخدم خارج السياق المتخصص, أو يستغل لمصادرة الآراء
الأخرى، وخصوصاً ما يتعلق بالعلوم
والمعارف العلمية الثابتة. ومناسبة هذا المثل والأمثلة كثيرة والعهدة على الراوي أنه أصيب إنسان في ريعان الشباب بحالة إغماء – وليس موتا دماغيا، لنبتعد عن الجدل- وعلى
الفور تم استدعاء الطبيب العربي البطل, كما تم على الفور تشخيصه إكلينيكيا بأنها أولا حالة سكري
نتج عنها ثانياً ذبحة صدرية , أدت ثالثاً
إلى توقف القلب , وقادت إلى حالة وفاة نهائية , وهذه الأسباب المؤدية للوفاة لا تحتاج
من الطبيب الاستعانة بالتشريح لأن
لديه حدس يغنية عن تشريح الجثة من جهة والخلاف الشرعي من جهة أخرى , عندها أعلن
الطبيب في مؤتمره الصحفي مترجلاً وواثقاً , وقال بكل جرأة بأنه وبناءً على البراهين الطبية أن
هذا الإنسان قد انتقل إلى رحمة ربه منذ نصف ساعة وأربع دقائق وثلاثة أجزاء من
الثانية, ودعا لذويه بالصبر والاحتساب لأمر الله , والإيمان بالقضاء والقدر , وقد تم منح ذوي المتوفى شهادة وفاة لتقديمها إلى
من يهمه الأمر دون أدنى مسؤولية .
بكى الجميع على لحظات الفراق ، وكأني بمحبيه ينـزل عليهم خبر وفاته نزول الصاعقة ،
وهم بين مصدق ومكذب ، كما قال المتنبي :
طوى
الجزيـرة حتى جاءني خبر
|
فزعت
فيـه بآمالي إلى الكـذب
|
حتى
إذا لم يدع لي صدقه كذبا
|
شرقت
بالدمع حتى كاد يشرق بي
|
بادر ذوو المتوفى على وجه السرعة إلى إكرامه بسرعة دفنه , وما أن مضت دقائق, حتى لحظ أحد الحاضرين من
أصحاب الرؤية التدقيقية آثار إشارات حركية تصدر من المتوفى, وأخذ يلتفت يمنة ويسرى
ومن الإمام إلى الخلف -وفي نفس الوقت مرعوباً من الموقف وألم الفراق - لعله
يجد أحدا يشترك معه فيما لحظ ويشجعه على
أن يتكلم , لكنه تذكر سريعاً المثل الشهير ( الدختور أبخص ) , فتجاهل الأمر وكأن شيئاً
لم يكن , بعدها تم نقل الجثمان إلى المغسلة , وعندما بدأ المغسل برش الماء على جسد
الميت , بدأ الجثمان بردة فعل طبيعية ينتفض من برودة الماء- كما انتفض العصفور
بلله القطر- , واستغرب صاحب الملاحظة الأولى
, بينما بقية الحاضرين لم يدركوا ذلك لحسن
الظن المطلق بالطبيب , عندها قرر هذا
الرجل أن يقول ( توقفوا يا جماعة إن صاحبنا لايزال حياً ) ومع ذلك لم يتوقفوا ,
واستمروا في استكمال مراحل تغسيله , وقاموا بلفه بالكفن مما أدى إلى خنقه , وأدوا الصلاة
عليه, وأثناء توجههم نحو القبر، تحرك (الميت الحي ) وتُذكر القصة أن الميت الحي قفز من على النعش وتبعه أقاربه يركضون خلفه في مشهد
كريكاتوري ضاحك يذكر ببطل بديع الزمان الهمهذاني في المقامة المضيرية , إلا صاحبنا أبو
الملاحظة, الذي انفجر مصدوما من التصرفات
اللاإنسانية قائلاً: "مهلاً يا قوم
إن صاحبنا حي، إنه يتكلم", لكن لا حياة لمن تنادي ، وصرخ الميت الحي قائلاً:
" أيها الناس , ماذا تفعلون بي " ولم يعره أحدٌ انتباهاً , ومن شدة
الركض وهول الخطب والحالة الهستيرية من مواجهة الموت (الهي انت يا من جاد مده), ومع تصميم وقناعة ذويه والمشاركين
لهم، وحرصهم على القبض عليه لدفنه , تعثرت
إحدى قدمي الحي الميت بحافة القبر وسقط داخل القبر, واستطاع ذويه من دفنه
حياً بطريقة غير شرعية , ولم يحاولوا الاستماع لصاحب الملاحظة وهو يصرخ فيهم : لا
تدفنوه أنه حي, أنه حي , اتقوا الله، وعلى وجه السرعة رد أحد العقلاء الذين شاركوا في
دفنه بقوله يا أخي تراك ازعجتنا ( منتب أبخص من الطبيب ). هذه القصة العجائبية
تحققت على أرض الواقع .ولعل حادثة الطفل الميت الحي ليست ببعيدة فقبل حوالي سنة تقريباً أي في عام 1429هـ صدرت شهادة وفاة لطفل وهو على قيد الحياة ، وقد تم إصدارها من قبل طبيب المستوصف الخاص دون أدنى اعتبار لكرامة الانسان
ودون إتباع للمعايير المنظمة لتقرير الوفاة أن وجدت. وإثناء قيام الأم بتوديع
ابنها الوداع الأخير وهي تحتضنه وتقبله , لاحظت الأم بأن فلذة كبدها على قيد
الحياة ، جعلها لا تثق فيما تم من إجراءات, وبعد قيام المستوصف باللازم عنوة من
تغطية وتكفين الحي في نظر والدته و الميت
بشهادة الطبيب , بعدها قررت الأم نقله إلى مستشفى اليمامة بالرياض - القريب من
المستوصف - الذي قام بعمل الانتعاش القلبي الرئوي , وظل الطفل حياً في العناية المركزة حتى توفاه الله بعد أربعة عشر يوما , وكان بالإمكان تداركه , لولا تكفينه الذي أسهم
في تلف خلايا المخ , فحصل نتيجة ذلك على شهادة وفاة ثانيه , ودخل عنوة وبقوة النظام
إلى قائمة وفيات الأطفال. أسوق المثل الأول من باب الملاطفة حيناً , والقصة
الحالية من باب المصارحة حيناً آخر , لكون
هذه الثقافة لاتزال سائدة بين أوساط الأطباء وهم قلة إن شاء الله , مع العلم أن
مقدم الخدمة يحمل شعار المريض على حق والمريض أولا, في حين أن المجتمع أصبح يدرك بثقافته المتنامية
التي تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم أن ما يقوله الطبيب ينبغي أن يتأكد منه،حيث لم
يعد يقبل تطبيقات هذا المثل, لأن من خصائص القطاع الصحي عدم التأكد من كفاءة
وفاعلية محصلة التداخلات. فمثلاً مريض يعاني من تحسس الأنف اوجفافه , ويقرر الطبيب
حقنة دوريا بالكرتزون , لأن المشكلة تختفي على الأمد القريب , ويستمر في أخذ
الحقنة , وفي النهاية يصحوا المريض على الآم حادة تنتهي بفشل كلوي , وعندما تبحث
عن الطبيب تفاجأ بأنه غادر البلاد , فالمريض الذي يعاني من جفاف الأنف والفشل
الكلوي الذي يكلف حوالي 100,000ريال سنوياً , هو في عرضه للإصابة بالتهاب الكبدي
الوبائي B-C وحسب الإحصاءات هناك 50% من مرضى الفشل الكلوي مصابون بالتهاب
الكبدي . أسقط هذا المثل من واقع المشاهدات والحقائق غير المبررة منطقياً , وذلك
عندما ترى الطبيب يفتي , ويصدر حكم الموت
على أحياء , بل يتخذ قررات في تخصصات وعلوم مستقلة منذ الخمسينات الميلادية
عن الطب مثل علوم التغذية والتثقيف الصحي
وعلوم البيئة , والمختبرات ، ولا أخفيكم أن مسلسل التدخل لا يزال حتى في القضايا
السياسة والاقتصادية و الإدارية والثقافية والحقوقية والفقهية دون حياءً أو
احتراماً لمبدأ التخصص, والمحصلة سخط مجتمعي عن الخدمات الصحية وتولد حقد من قبل
المختصين في العلوم الأخرى نتيجة الإقصاء من فئة متنفذة . واُذكر بقولين أولهما لعالم قديم من علماء
المسلمين هو ابن حزم رحمه الله حيث يقول:
" لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها ويظنون
أنهم يعلمون , ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون " الأخلاق والسير 23" والقول الآخر للأكاديمي المعاصر الأستاذ الدكتور
خالد محمد الجديع ويقول " إن ما يدور
في المجالس منذ العهد القديم وحتى عصرنا
الحاضر – وأضيف في المؤسسات والجمعيات - من التعصب البغيض لمجال التخصص , إذ
كثيراً ما نرى من يقدم العلم الذي يدرسه أو يبحث فيه على سائر العلوم , ويرى أنه
أهم ما ينبغي أن يلتفت إليه ضارباً صفحاً عن أهمية العلوم الأخرى , مع أن في كل
خيراً , والحق أن العلوم تتفاضل بقدر ما تقدم للإنسان من قيمة إن في دنياه , وإن
في آخرته " ص 343 المقامات المشرقية, الفصل الخامس , مقامات علمية 2001م .
والمشكلة الأكبر انتشار تطبيقات مثل (المريض طبيب نفسه ) فأصبح المريض يشخص ويحلل ويعالج نفسه بنفسه وغيره ويكتب الوصفات ويٌصرف
الدواء دون قيود في غفلة أو تغافل من الرقيب , نظرا لفشل النظام الصحي في
الاستجابة . فالطبيب يضع اللوم على المريض
والأجهزة ذات العلاقة , بل يؤمن الطبيب بالمثل الشهير ( رضا الناس غاية لا تدرك )
فطالما أنهم مرضى , فلا بد لهم من الشكوى , وهذا المثل خاطئ والدليل على ذلك ارتفاع
مؤشر رضا المريض في الدول المتقدمة إلى مستويات عليا فمثلاً في الدول الاسكدنافية
تجاوز معدل الرضا أكثر من 90% وفي كندا 85% , بينما المريض لدينا يعاني من مظاهر
السخط وعدم الرضا . فأي الفريقين أحق بالأمن ...؟ إن المتأمل لمسيرة وزارة الصحة
التاريخية تجاه سياساتها الإدارية والمالية والصحية، لا يتوقع أن هذا الجهاز الصحي
قد بدأ رسميا منذ 1343هـ , لا يزال يعاني من مشاكل مزمنة على المستويات التشريعية
والتنفيذية كافة ، لذلك لا بد لثقافتنا
الطبية والإدارية من أن تواكب عملية النمو والرقي الفكري لدينا، إننا جميعاً مسؤولون،
ويجب أن نشارك في ثورة فكرية وثقافية ووضع أنظمة صارمة قابلة للتطبيق تجتث من
أعماقنا كل السلبيات التي يمكن أن تسيء إلينا وإلى مجتمعنا الذي وضع أقدامه على
الطريق الصحيح انطلاقاً نحو غدٍ أفضل، ويجب ألا يكون من المسلمات لدينا أن
(الدكتور أبخص). يقول مارتن لوثر كينغ " كاتب مقالة "الرعاية الصحية الأمريكي:الأفضل عالمياً
والأكثر تكلفة" ويقول إن من افضع صور
الظلم وعدم المساواة - وهي الأشد إثارة للإشمزاز والوحشية- هي التفرقة في الرعاية الصحية" وهذا ما هو حاصل لدينا من
تعدد الأجهزة الصحية المتواضعة المستوى والمتميزة من وجهة نظر المجتمع ومقدمها ,
بينما المواطن وهو يصارع الموت لا يجد سريرا إلا بشق الأنفس أو يتوفاه الله , ومع
ذلك لا ميثاق للحقوق الصحية موثقاً ومعتمدا ومبلغاً ويتم تطبيقه ومراجعته وتحديثه دوريا
,بل وللأسف أن الموجود عبارات مكتوبة على ورق A4
(حبر على ورق ) لا يتم الالتزام بها , ولا اهتمام بسلامة المريض , ولا معايير
موحدة للممارسة الطبية ( فتح باب الاجتهاد على مصراعيه دون ضوابط ) وبهذا أصبحت
الرعاية الصحية بدلاً أن تكون حقاً من حقوق الإنسان التي كفلها النظام أصبحت منة تمنح
للمواطن حسب مزاج التنفيذيين, ناهيك عن
سوء توزيع الخدمات الصحية , فهل يعقل أن شمال وشرق الرياض لا يتوافر فيه مستشفى
حكومي واحد تابع لوزارة الصحة...؟ عدا المدينة الطبية ويقطنها حوالي مليوني نسمة , وفي نفس الوقت يوجد
حوالي 30 مستشفى خاص ومئات المستوصفات والعيادات والمجمعات الأهلية , بل بدء للأسف
التوسع الأفقي الغير مدروس للمرافق الصحية خارج المدن الرئيسية في الهجر والمراكز
الإدارية ذات 30 سرير الغير مجدية
اقتصاديا وصحيا ً, يقول احد علماء الإدارة الصحية بهذه المناسبة لا يوجد علاقة مباشرة بين نشر
المرافق الصحية و تحسن الحالة الصحية ما
لم يتم إنشاء المرافق بناءً على مفهومي الطلب والحاجة وتلك تخضع لمعايير اقتصاديات الصحية منها تخصيص
الموارد الرعاية الصحية باستخدام دالة إنتاج الصحةProduction Function Of Health
, لأن كثرة عرض
المستشفيات عشوائياً سيولد الطلب الحقيقي والمفتعل وما يترتب عيه من أخطاء طبية
معيقة وقاتلة , فالاهتمام يجب أن ينصب على محوري تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض وهو المبرر الأول لوجود الجهاز الصحي . وبعدها
يأتي الهدف العلاجي والتأهيل والاسعافي , وحان الآن تخصيص موارد القطاع الصحي نسبة
وتناسب على الأهداف . نعود لموضوعنا الدختور أبخص ونواجه سؤال لشرائح المجتمع كافة
ولأهل الحل العقد , من المسؤول عن وفاة هذا الطفل ؟ بأي ذنب قتلت ...الآية ونشير بأصابع الاتهام إلى فيما يتعلق بسلسلة
المآسي الطبية المستمرة , أهو الطبيب أم هو النظام أم هو المواطن ؟ والجواب من
وجهة نظر عالم الجودة الامريكي ديمينغ أن النظام مسؤول عن 80-90% من الأخطاء ,الذي عجزنا وفشلاً فشل ذريع في
تطبيقه على الواقع , إن المضحك والمبكي في النظام الصحي أنه احتكر ملكية وإدارة
القطاع الصحي على الطبيب المهني , وهذا مرفوض من كافة المذاهب الشرعية والاقتصادية
العالمية , فإذا كان الاحتكار جائز فالملكية والإدارة هي للمختص في الإدارة الصحية
, وليس الطبيب الذي لم يتعلم خلال دراسته العلوم الطبية علوم الإدارة والمالية
والاقتصاد والاستثمار وأخلاقياته. ولعل ما صدر قريباً اللائحة الصحية الجديدة التي
فصلت على مقاس الاطباء وهم يستحقون , ولكن يكون على حساب المهن الاخرى التي حرمت
من بدل السكن والتميز والندرة والتدريب والاشراف , فهذا غير مقبول من مسؤولي جهاز
الصحة .للمجتمع والمؤسسسات الرقابية ومجلس الشورى الحق بمعرفة تفاصيل كفاءة
ومؤهلات القوى العاملة , ومدى استجابة النظام لتقديم الخدمة والاطلاع بشفافية على مؤشرات الوفيات والمراضة بعد
تحليلها كماً ونوعاً (السبب والنتيجة ) , والإعاقة بسب التدخلات الطبية وإعادة
الدخول للمستشفى بسبب المضاعفات أو الاخطاء ,كذلك يجب أن يعرف المجتمع والمؤسسات
على مؤشرات رضا المرضى عن ما يقدم لهم من خدمات صحية وذويهم بالإضافة إلى مؤشرات
جودة الحياة والرفاه , علاوة على مؤشر العائد من الخدمة الطبية . لنخرج بالنهاية
على قياس كفاءة وفاعلية اداء القطاع الصحي على مستوى الممملكة والمناطق والمحافظات
والمراكز والهجر على هيئة مؤشرات على غرار اسواق الاسهم , لكي يتخذ القرار بناء
على المعرفة الكمية والنوعية . ما يثير العجب أن المسؤولين عن القطاع الصحي ومنذ
عقود يرون أن مشاكل الصحة تحل بالموارد من خلال إنشاء واستئجار المباني والمعدات
والتشريعات , وتوفير القوى العاملة فقط !!! ولازال القطاع الصحي غارق حائرا في
المدخلات وتحديدها قياسيا كماً ونوعاً منذ87 عاما والتي يفترض أن تكون جزء من
الماضي والسبب أن التنفيذين يعتمدون على
حدسهم وفراستهم لأن الادارة والمالية مجرد
موهبته وفطرة. إنني عبر هذا المقال أدعوا جميع أصحاب الفكر والقلم - والمسؤولين وخصوصا من لهم اهتمامات بقضايا
الخدمات الصحية - بطرح الموضوع كمادة للنقاش والتدارس والحوار الذي دعانا اليه
ولي أمرنا الملك الصالح ملك الانسانتية بهدف الوصول إلى معالجات حقيقية.والله المستعان .
No comments:
Post a Comment